محمد أبو زهرة
132
المعجزة الكبرى القرآن
استمرت المجاوبة بين الحق والباطل ، في داخل الشعب المصري وبين آل فرعون والمؤمن ، ولعله - والعلم للّه وحده - أن الذين آمنوا من آل فرعون وأهل مصر عدد قليل كالذين آمنوا بمحمد من بعد قد كانوا عددا قليلا ، ومن الضعفاء ، فكان لا بد من هجرة موسى من مصر ، كما هاجر محمد من مكة إلى المدينة ، وكان معه الذين اتبعوه بإحسان ، ونالهم ما نالهم من الأذى . خروج بني إسرائيل وموسى من مصر : 80 - كان أتباع موسى عليه السلام من بني إسرائيل الذي جاء لاستنقاذهم وبعث للدعوة إلى الوحدانية أولا ، واستنقاذ المظلومين من الظالمين ثانيا ، فكان لا بد من الهجرة ، ومن أراد أن يلحق بهم من المصريين . لقد جاء الأمر بالهجرة وأن تكون ليلا ، كما كانت هجرة محمد عليه السلام خفية ، وقد ساق سبحانه وتعالى قبل الخروج قصة الدعوة الموسوية ، وما لاقته من فرعون وشيعته ؛ ليتبين أنه لا أمل في إيمان غير الذين آمنوا من قبل ، لذلك جاء الأمر بالهجرة كما جاء بعد ذلك الأمر بالهجرة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم قال اللّه تعالى في ذلك : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) [ الشعراء : 52 - 64 ] . انتهى أمر فرعون بهذا الإغراق ، ولكنه لما أوشك على الغرق جاء إليه الإيمان متأخرا ، فكانت المعجزة أن اللّه أبقاه مثلا للآخرين ، وإن اللّه سبحانه يقول مفصلا مهلكه من غير تكرار ، وإن ذكر المقدمات مفصلا ، قال سبحانه : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) [ يونس : 90 - 92 ] . انتهى فرعون ، ونلاحظ هنا ثلاث ملاحظات : أولاها : أن فرعون كان دائما يذكر جنوده على أنهم الذين يوالونه في طغيانه ، ويمالئونه في عدوانه ، وينصرونه ، والشعب لا يذكر في مقام المناصرة لفرعون .